منحت الإمارات لتوّها الاستدامة المؤسسية إطارها الوطني الأكثر طموحاً حتى الآن. فقد أطلق صاحب السمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، استراتيجية «شركات الإمارات أجل 2031» (UAE Companies for Good 2031)، وهي خطة شاملة لتحويل القطاع الخاص إلى قوةٍ دافعة نحو أثرٍ مستدام وقابل للقياس في أنحاء الدولة.
أُطلقت الاستراتيجية في قصر الوطن بأبوظبي خلال فعاليةٍ نظّمها مجرة – الصندوق الوطني للمسؤولية المجتمعية، على هامش اجتماع لجنة مجلس الوزراء للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. وبالنسبة لمن تابعوا تغطيتنا لتحدّي الأثر المستدام من مجرة، فهذه هي الصورة الأكبر التي يندرج ضمنها ذلك العمل: دفعةٌ على مستوى الدولة لجعل ممارسة الأعمال المسؤولة هي القاعدة لا الاستثناء.
ما الذي تسعى إليه الاستراتيجية

تُرسي استراتيجية «شركات الإمارات أجل 2031» في جوهرها إطاراً وطنياً لتعزيز مساهمات القطاع الخاص في الأثر المستدام، وللنهوض بما تسمّيه الإمارات اقتصاد الأثر (Impact Economy)، ولتعزيز تنافسية منظومة المسؤولية المجتمعية والحوكمة البيئية والاجتماعية والاستدامة في الدولة.
ووصف سمو الشيخ منصور المسؤولية المجتمعية والأثر المستدام بأنهما ركيزتان أساسيتان في رؤية قيادة الإمارات لتعزيز رفاه الإنسان والمجتمع، مشيراً إلى أن دور الشركات بات يتجاوز النمو الاقتصادي إلى تحقيق أثرٍ يرتقي بجودة الحياة ويدعم استدامة المجتمع والبيئة معاً.
بعبارة أخرى، الرسالة إلى قطاع الأعمال واضحة: لم يعُد النمو والمسؤولية مسارين منفصلين، بل يُفترض أن يسيرا معاً.
الأرقام وراء الطموح

حجم المستهدف لافت. فمن خلال الاستراتيجية، تطمح الإمارات إلى استقطاب أكثر من 20 مليار درهم من مساهمات القطاع الخاص في المسؤولية المجتمعية خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويأتي ذلك امتداداً لزخمٍ حقيقي. ففي عام 2025، قدّم القطاع الخاص في الدولة مشاريع مسؤولية مجتمعية بقيمة 3.23 مليار درهم، بمشاركة 191 شركة. وقد صُمّمت استراتيجية 2031 لمضاعفة هذه المشاركة وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية، بما يمنح الشركات طريقةً منظّمة لقياس مساهماتها ورصدها وتوسيع نطاقها، بدلاً من التعامل مع الأعمال الخيّرة بوصفها مبادراتٍ متفرّقة.
ما الذي يُحتسَب «عملاً للخير»؟
من أكثر جوانب الاستراتيجية عمليةً هو اتّساع تعريفها للمساهمة ذات المعنى. فوفقاً لمجرة، ستشارك الشركات المنضوية نماذج من سياساتها المستدامة، وتشمل الأنشطة المؤهِّلة نطاقاً واسعاً، من بينها تقليل البصمة الكربونية للشركة، ودعم التوطين (الإمْرَتة)، وتوفير ظروف عملٍ مرنة، ودعم دمج أصحاب الهمم.
وهذا الاتّساع مهمّ، إذ يشير إلى أن الاستدامة، في رؤية الإمارات، ليست مقتصرة على الانبعاثات أو إعادة التدوير، بل تتعلّق بكيفية تعامل الشركة مع الكوكب والناس معاً: المسؤولية البيئية والمسؤولية الاجتماعية بوصفهما نصفَي التزامٍ واحد.
تكريم الروّاد: ختم الأثر (Impact Seal)

احتفى الحفل أيضاً بالشركات الرائدة بالفعل. فقد كرّم سمو الشيخ منصور الفائزين بـختم الأثر – الفئة البلاتينية، وهو تقدير مجرة للمؤسسات التي تُحقّق أثراً مستداماً استثنائياً. وضمّت هذه الفئة العليا كلاً من TAQA، وADNOC، وDP World، ومجموعة الإمارات، وماجد الفطيم القابضة، وRAK Ceramics، وAdvanced Media Trading.
ونالت عشرات أخرى تقدير الفئة الذهبية، من بينها أسماء ذات سجلّ قوي في الاستدامة مثل Emirates Nature-WWF، والاتحاد للقطارات (Etihad Rail)، وEmpower، وDulsco، ومركز دبي للسلع المتعددة (DMCC)، ومجموعة TECOM، إلى جانب مصارف وشركات طاقة وكبرى المؤسسات. وتقرأ قائمة التكريم مجتمعةً كمقطعٍ عرضي للاقتصاد الإماراتي وهو يختار التنافس على الأثر لا على الربح وحده.
وقد استقطب ختم الأثر لدورة 2025–2027 عدد 160 طلباً، نال التقدير منها 114 مؤسسة موزّعةً على الفئات البلاتينية والذهبية والفضية. وفي الفئة الفضية تحديداً تعود هذه القصة إلى بيتنا. فهذه الفئة تضمّ WAT (We Are Tech)، رائدة معالجة النفايات الإلكترونية التي سلّطنا الضوء عليها في سلسلة «روّاد الاستدامة»، إلى جانب HeroGo، منصّة إنقاذ الطعام التي تابعناها عبر تحدّي الأثر المستدام من مجرة، وRBT Collective، إحدى الشركات الست التي نالت أوّل رخصة خضراء في الإمارات في Expo City Dubai هذا الأسبوع. كما كرّمت الفئة أسماءً خضراء أخرى مثل Neutral Fuels، وتدوير (Tadweer)، وReLoop، وبرنامج «Roots & Shoots» التابع لجين غودال. ورؤية مشاريع الاستدامة المحلية التي احتفينا بها وهي تنال تقديراً وطنياً هي تحديداً نوع التقدّم الذي وُجدت هذه الاستراتيجية لتسريعه.
ووصفت سارة شو، الرئيسة التنفيذية لمجرة، الإطلاق بأنه محطة بارزة في مسيرة الإمارات لتعزيز منظومة الأثر المستدام، إذ يمنح القطاع الخاص إطاراً وطنياً يعظّم مساهمته ويدفع اقتصاد الأثر إلى الأمام.
لماذا يهمّ ذلك
بالنسبة لكل من يعنيه مستقبل الإمارات الأخضر، هذا أمرٌ بالغ الأهمية. فالأهداف الوطنية للاستدامة مثل الحياد المناخي 2050 لا يمكن بلوغها بالعمل الحكومي وحده، بل تتطلّب آلاف الشركات تسير في الاتجاه نفسه. واستراتيجيةٌ تضع رقماً لمساهمة القطاع الخاص، هو 20 مليار درهم، ونظاماً لقياسه، تحوّل الطموح العريض إلى شيءٍ قابل للمساءلة.
كما أنها ترفع سقف الجميع. فحين تُكرَّم كبرى شركات الدولة علناً على أثرها، ويتوفّر إطارٌ واضح ليحذو الآخرون حذوه، تتحوّل الاستدامة من «أمرٍ محبّذ» إلى علامةٍ على التنافسية.
Sustainable Dubai رأي
أمضينا هذا العام في تسليط الضوء على المبتكرين الذين يحوّلون أفكار الاستدامة إلى نتائج قابلة للقياس، من حاصلي الرخصة الخضراء في Expo City إلى الشركات الناشئة المتنافسة في تحدّي الأثر المستدام من مجرة. وتأتي استراتيجية «شركات الإمارات أجل 2031» بمثابة البنية الوطنية التي تمنح هذا الزخم كلّه موطناً.
فهي تقول لكل شركةٍ في الدولة، من الكيانات الكبرى المدرجة إلى الشركات الناشئة المحلية، إن الإسهام في المجتمع وحماية البيئة باتا في صميم معنى النجاح هنا. وهذا مستقبلٌ يستحقّ العمل من أجله، وسنواصل متابعته عن كثب.
يحتفي Sustainable Dubai بالأشخاص والشركات الذين يبنون إماراتٍ أكثر اخضراراً. تابِعونا لمزيدٍ عن المبتكرين الذين يشكّلون مستقبل الاستدامة في البلاد.

